ابن عجيبة

331

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وقد تعوذ النبي صلّى اللّه عليه وسلم من شر فتنتها ، غناها وفقرها . وأكثر القرآن مشتمل على ذمها ، وتحذير الخلق منها ، بل ما من داع يدعو إلى اللّه تعالى إلا وقد حذر منها ، ورغّب في الآخرة ، بل هو المقصود بالذات من بيان الشرائع ، وكيف لا - وهي عدوة اللّه ؛ لقطعها طريق الوصلة إليه ، ولذلك لم ينظر إليها منذ خلقها . وعدوة لأوليائه ؛ لأنها تزينت بزينتها حتى تجرعوا مرارة الصبر في مقاطعتها ، وعدوة لأعدائه ؛ لأنها استدرجتهم بمكرها ، واقتنصتهم بشبكتها ، فوثقوا بها ، فخذلتهم أحوج ما كانوا إليها . كفانا اللّه شرها بمنّه وكرمه . ثم نبه الحق تعالى على ما هو المقصود الأهم لمن له عقل وافر ، فقال : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 15 إلى 17 ] قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 15 ) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 16 ) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ ( 17 ) قلت : ( للذين ) : خبر ، و ( جنات ) : مبتدأ ، وهو استئناف لبيان الخيرية ، والرضوان فيه لغتان : الضم والكسر ، كالعدوان والطغيان ، و ( الذين يقولون ) : بدل من ( الذين اتقوا ) ، أو خبر عن مضمر ، أو منصوب على المدح ، أو بدل من العباد ، و ( الصابرين ) وما بعده : نعت الموصول . يقول الحق جل جلاله : قُلْ يا محمد : أأخبركم بِخَيْرٍ من الذي ذكرت لكم من الشهوات الفانية واللذات الزائلة ، وهو ما أعد اللّه للمتقين عند لقاء ربهم ، وهو جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تحت قصورها الأنهار ؛ من الماء واللبن والعسل والخمر ، خالِدِينَ فِيها ، لا كنعيم الدنيا الفاني ، ولهم فيها أَزْواجٌ من الحور العين ، مطهرات من الحيض والنفاس وسائر المستقذرات ، وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ الذي هو ( أكبر ) النعم . فانظر : كيف ذكر الحق - جل جلاله - أدنى النعيم وأوسطه وأعلاه ؟ فأدناه : متاع الدنيا الذي زين للناس ، وأوسطه : نعيم الجنان ، وأعلاه : رضى الرحمن . وفي الحديث الصحيح عنه صلى اللّه عليه وسلم : « يقول اللّه تعالى لأهل الجنّة : يا أهل الجنّة ، فيقول أهل الجنّة : لبّيك ربّنا وسعديك ، والخير في يديك ، فيقول : هل رضيتم ؟ فيقولون : ما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين ، فيقول : ألا أعطيكم أفضل من ذلك ؟ فيقولون : يا ربنا ، وأىّ شئ أفضل من ذلك ؟ قال : أحلّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا » .